ما وراء المشهد
بقلم : دكتورة إيناس عمر الصاوي
مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة
لماذا أصبح الاعتذار أصعب من اختراع الأعذار؟
حين يختبئ الخطأ خلف ألف مبرر.
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتعدد فيه المنصات التي تمنح الجميع حق التعبير، برزت ظاهرة اجتماعية تستحق التوقف أمامها، وهي ما يمكن تسميته بثقافة التبرير.
تلك الثقافة التي لم تعد تكتفي بتفسير الأخطاء أو البحث في أسبابها، بل باتت تمنحها شرعية ضمنية تجعلها مقبولة أو قابلة للتفهم مهما بلغت آثارها السلبية.
في الماضي كان الخطأ يُنظر إليه باعتباره سلوكًا يحتاج إلى مراجعة وتصحيح، أما اليوم فقد أصبح النقاش يدور غالبًا حول إيجاد المبررات التي تخفف من مسؤوليته. فبدلًا من الاعتراف بالتقصير، يتم تحميل الظروف المسؤولية، وبدلًا من مواجهة النتائج، يتم البحث عن أعذار تبرر الفعل وتمنحه غطاءً أخلاقيًا أو اجتماعيًا.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تتجاوز حدود الأفراد لتؤثر في بنية المجتمع ذاته. فعندما يصبح التبرير رد الفعل المعتاد على الأخطاء، تتراجع ثقافة المحاسبة، ويضعف الإحساس بالمسؤولية، وتفقد القيم الأخلاقية جزءًا من قوتها الرادعة. عندها لا يعود السؤال: من أخطأ؟ بل يصبح: كيف يمكن الدفاع عنه؟
وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع نطاق هذه الظاهرة. فكل قضية أو حادثة أو سلوك تجد من يبرره ويدافع عنه، أحيانًا بدافع التعاطف، وأحيانًا بدافع الانتماء الفكري أو الاجتماعي. ومع كثرة التبريرات، تتشوش الحدود الفاصلة بين الصواب والخطأ، ويصبح الحكم الأخلاقي أكثر ارتباكًا.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى القسوة أو إلغاء فهم الظروف المحيطة بالأحداث، فالفهم ضروري لتحقيق العدالة.
لكن هناك فارقًا كبيرًا بين فهم الأسباب وبين تحويلها إلى مبررات تلغي المسؤولية. فالمجتمعات المتقدمة لا تتجاهل الظروف، لكنها لا تسمح أيضًا بأن تتحول إلى ذريعة دائمة للإفلات من النقد والمحاسبة.
إن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل هو أحد مظاهر القوة الأخلاقية والنضج الإنساني. كما أن الاعتذار لا ينتقص من قيمة الإنسان، بل يرفع من مكانته ويعزز الثقة بينه وبين الآخرين.
أما الإصرار على التبرير الدائم، فإنه يحرم الفرد والمجتمع من فرصة التعلم والتطور.
وفي عالم يواجه تحديات متزايدة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تظل ثقافة المسؤولية أحد أهم شروط التقدم. فالأمم لا تنهض لأنها لا تخطئ، بل لأنها تمتلك الشجاعة للاعتراف بأخطائها وتصحيحها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار لقيم المراجعة الذاتية والنقد البناء والمساءلة، حتى لا يتحول التبرير من وسيلة لفهم الواقع إلى أداة لإدامة الأخطاء وتكرارها. فبين الاعتذار والتبرير مسافة تختبر فيها المجتمعات قدرتها على الحفاظ على معاييرها الأخلاقية، وعلى بناء مستقبل يقوم على الصدق والمسؤولية لا على الأعذار الجاهزة.





تعليقات
إرسال تعليق