ما وراء المشهد
بقلم : دكتورة إيناس عمر الصاوي
مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة
في بعض الأحيان تكون الأرقام أكثر قدرة على التعبير من الكلمات، لأنها تكشف حجم الظاهرة وحقيقة ما يدور خلف العناوين.
والبيان الأخير الصادر عن القوات المسلحة المصرية بشأن العملية الأمنية الموسعة في نطاق المنطقة الجنوبية العسكرية يقدم نموذجًا واضحًا لذلك، إذ لم يقتصر على الإعلان عن نجاح عملية أمنية، بل كشف عن صورة أشمل لتحديات تواجهها الدولة على حدودها الجنوبية وفي مناطق الثروات التعدينية.
فقد أعلنت القوات المسلحة ضبط 223 شخصًا خلال الحملة، بينهم 87 مصريًا و136 أجنبيًا، إلى جانب ضبط مركبات وأجهزة اتصال وأسلحة وذخائر ومعدات تستخدم في أنشطة غير مشروعة.
وقد تبدو هذه الأرقام للوهلة الأولى مجرد حصيلة أمنية لكنها تحمل في طياتها دلالات مهمة تتجاوز الجانب الإجرائي المباشر.
أولى هذه الدلالات أن نسبة الأجانب بين المقبوض عليهم تجاوزت نصف العدد الإجمالي، وهو ما يشير إلى أن الأنشطة المضبوطة لم تكن ذات طابع محلي محدود، بل ارتبطت بحركة عناصر وشبكات تتجاوز الحدود الجغرافية للدولة.
وهذه الحقيقة تفسر لماذا أصبح التعامل مع هذه الظواهر يندرج ضمن إطار مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وليس مجرد مواجهة مخالفات فردية متفرقة.
الدلالة الثانية تتعلق بطبيعة الأنشطة التي استهدفتها الحملة. فالتنقيب غير المشروع عن الذهب لم يظهر منفصلًا عن جرائم أخرى مثل تهريب السلاح أو الاتجار في المواد المخدرة أو الهجرة غير الشرعية، وهو ما يكشف عن وجود مصالح متشابكة وشبكات تستفيد من الطبيعة الوعرة للمناطق الصحراوية لتحقيق مكاسب مالية بعيدة عن أعين القانون.
ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى قضية الذهب باعتبارها قضية تتجاوز بعدها الاقتصادي المباشر. فالذهب ليس مجرد معدن ثمين، بل مورد استراتيجي يرتبط بمستقبل الاستثمار والتنمية.
وكل نشاط غير قانوني يستهدف مناطق التعدين لا يمثل فقط استنزافًا لثروة وطنية
وإنما يشكل أيضًا تهديدًا لبيئة الاستثمار ولمشروعات التنمية التي تعتمد على الاستقرار وسيادة القانون.
كما أن ضبط أسلحة وذخائر وأجهزة اتصال ضمن المضبوطات يعكس مستوى من التنظيم يتجاوز العمل العشوائي. فوجود وسائل اتصال ومعدات لوجستية يشير إلى أن بعض العناصر كانت تعمل وفق شبكات منظمة قادرة على التنسيق والتحرك عبر مسافات واسعة
وهو ما يزيد من خطورة هذه الأنشطة ويجعل مواجهتها ضرورة أمنية واقتصادية في الوقت نفسه.
ولا يمكن قراءة هذه الأحداث بمعزل عن موقع الجنوب المصري وأهميته الاستراتيجية. فالمناطق الحدودية تمثل خط الدفاع الأول عن الدولة، كما أنها تضم موارد طبيعية ذات قيمة كبيرة.
ومن ثم فإن الحفاظ على الأمن فيها لا يتعلق فقط بمنع التسلل أو التهريب، بل يمتد إلى حماية مقدرات الوطن وضمان توظيفها في خدمة الاقتصاد الوطني بصورة مشروعة.
اللافت أيضًا أن البيان لم يركز على الجانب الأمني وحده بل أشار بصورة غير مباشرة إلى تأثير هذه الأنشطة على الاستقرار والتنمية.
وهذه إشارة مهمة تؤكد أن مفهوم الأمن القومي في العصر الحديث أصبح أكثر شمولًا؛ فحماية الحدود وحماية الثروات وحماية مناخ الاستثمار أصبحت جميعها حلقات في سلسلة واحدة.
إن القراءة المتأنية لأرقام العملية الأخيرة تقود إلى نتيجة واضحة: الدولة لم تكن تواجه مجرد مخالفات متناثرة، بل كانت تتعامل مع شبكة من الأنشطة غير المشروعة التي تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع التهديدات الأمنية.
ولذلك فإن أهمية العملية لا تكمن فقط في عدد المقبوض عليهم أو حجم المضبوطات، بل في الرسالة التي تؤكد أن حماية الثروات الوطنية وتأمين الحدود يظلان جزءًا أساسيًا من معركة الحفاظ على الاستقرار ودعم مسيرة التنمية.
وفي النهاية، فإن ما كشفته أرقام البيان الأخير يوضح أن الأمن والتنمية ليسا مسارين منفصلين، بل وجهان لقضية واحدة؛ فكلما نجحت الدولة في حماية مواردها وحدودها، ازدادت قدرتها على بناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.




تعليقات
إرسال تعليق