القائمة الرئيسية

الصفحات

الدكتورة إيناس عمر الصاوي | تكتب ما وراء المشهد |الوحدة الوطنية في مواجهة خطاب الكراهية والاستقطاب


   ما وراء المشهد 

بقلم : دكتورة إيناس عمر الصاوي

مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة 

كيف تواجه المجتمعات الحديثة محاولات التفتيت؟

في عالم يشهد تحولات متسارعة على المستويات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، أصبحت الوحدة الوطنية واحدة من أهم ركائز استقرار الدول وحماية مجتمعاتها من الانقسام والتفكك. وإذا كانت الحروب التقليدية قد اعتمدت في الماضي على الجيوش والأسلحة، فإن الصراعات الحديثة باتت تستهدف العقول والوجدان، وتسعى إلى تفكيك النسيج الاجتماعي من الداخل عبر نشر خطاب الكراهية والاستقطاب وإثارة الخلافات بين مكونات المجتمع الواحد.



لقد أدركت القوى الساعية إلى زعزعة استقرار الدول

 أن إضعاف التماسك الوطني أقل كلفة وأكثر تأثيرًا من المواجهة العسكرية المباشرة. ومن هنا ظهرت استراتيجيات تقوم على استغلال الاختلافات الدينية 

أو الثقافية أو الاجتماعية وتحويلها إلى أدوات للصراع والانقسام، مستفيدة من الانتشار الواسع لوسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي.


ويُعد خطاب الكراهية من أخطر الظواهر التي تواجه المجتمعات المعاصرة، لأنه لا يكتفي بإثارة المشاعر السلبية تجاه فئة معينة، بل يعمل على ترسيخ الصور النمطية السلبية وتبرير الإقصاء والتمييز وربما العنف.

 ومع مرور الوقت يتحول الاختلاف الطبيعي بين الأفراد والجماعات إلى حالة من الشك المتبادل وفقدان الثقة الأمر الذي يهدد السلم المجتمعي ويضعف قدرة الدولة على تحقيق التنمية والاستقرار.



وقد ساهمت المنصات الرقمية، رغم فوائدها الكبيرة، في تسريع انتشار هذا النوع من الخطاب. فبضغطة زر يمكن أن تنتشر الشائعات والمعلومات المضللة بين ملايين المستخدمين خلال ساعات قليلة، وهو ما يجعل مواجهة هذه الظاهرة مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام والمجتمع المدني والأفراد أنفسهم.


ولا تقتصر مخاطر الاستقطاب على المجال السياسي فقط، بل تمتد إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فالمجتمع المنقسم يصبح أقل قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر عرضة للتوترات والصراعات الداخلية، كما تتراجع فيه فرص التعاون والعمل المشترك من أجل تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى.



ومن هنا تبرز أهمية تعزيز مفهوم المواطنة بوصفه الإطار الجامع لجميع أفراد المجتمع، حيث تقوم المواطنة على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات واحترام التنوع والاختلاف في إطار الانتماء الوطني الواحد. فكلما شعر المواطن بأن هويته الوطنية تتسع للجميع، تراجعت فرص استغلال الفوارق وتحويلها إلى أدوات للصراع.


كما يلعب التعليم دورًا محوريًا في بناء ثقافة التسامح وقبول الآخر، إذ لا يكفي أن يتعلم الأفراد القراءة والكتابة، بل يجب أن يكتسبوا قيم الحوار واحترام التنوع والتفكير النقدي الذي يمكنهم من التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين الرأي الموضوعي وخطاب التحريض.



وفي السياق ذاته، تتحمل وسائل الإعلام مسؤولية كبيرة في ترسيخ ثقافة التعايش والتماسك الوطني. 

فالإعلام المهني الواعي لا يلهث وراء الإثارة والانقسام

 بل يسهم في تقديم خطاب متوازن يعزز المشتركات الوطنية ويواجه محاولات بث الفرقة والكراهية.


إن التجارب الدولية تؤكد أن الدول القوية ليست تلك التي تخلو من الاختلافات، بل تلك التي تنجح في إدارة تنوعها وتحويله إلى مصدر قوة وإبداع. 

فالتعددية عندما تُدار بحكمة تصبح عنصرًا من عناصر الثراء الحضاري والثقافي، أما عندما تُستغل لأغراض سياسية أو أيديولوجية فإنها قد تتحول إلى مدخل خطير للتفكك والانقسام.


وفي النهاية، تبقى الوحدة الوطنية مسؤولية جماعية لا تقتصر على الحكومات وحدها، بل تشمل كل فرد في المجتمع. فالكلمة التي تُقال، والمعلومة التي تُنشر والموقف الذي يُتخذ، كلها تسهم إما في بناء الجسور

 أو في هدمها. 

وبينما تتزايد التحديات في عالمنا المعاصر، يظل التماسك الوطني والوعي المجتمعي خط الدفاع الأول في مواجهة خطاب الكراهية ومحاولات التفتيت، وضمانة أساسية لمستقبل أكثر استقرارًا وأمنًا وازدهارًا.

تعليقات